الشيخ علي المشكيني
64
رسائل قرآنى
وَالْأَرْضِ « 1 » . المراد من أهل القرى الذين أشير إليهم في الآية السابقة : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ « 2 » . وظاهر الآية سببيّة الإيمان والتقوى لانفتاح أبواب البركات السماويّة والأرضيّة . وحينئذٍ فهل هي سببيّة غيبيّة غير مستندة إلى أمور عاديّة ، فيدرّ اللَّه تعالى عليهم الرزق بلا تسبيب منهم له ؟ أو هي سببيّة تكوينيّة كسائر الحوادث الكونيّة ، وإسناد اللَّه الفتح إلى نفسه لكون جميع العلل والأسباب في عالم التكوين تؤثّر في معلولاتها بدخل إرادته وأمره ، وتأثيرهما بنحو من الدخل والتأثير كما مرّ في عنوان « الإذن » وففي المقام يكون إيمانهم وتقواهم سبباً للتراحم والتعاضد والمعاونة والمظاهرة في أمور دينهم ودنياهم ، وهي سبب طبعي تكويني لعمارة الأرض والبلاد وجريان الأنهار وازدياد الحرث والزرع والحبوب والثمار وغير ذلك ؟ وجهان . والظاهر تحقّق كلا الأمرين ، فبالإيمان والتقوى يحصل من العباد ما هو سبب ورود الخيرات ومقدّماته ، ويحصل من اللَّه تعالى ما هو بيده محضاً ولم يقدر عليه أحد غيره ، كإشراق الشمس ، وإنزال الأمطار ، ورفع المضارّ ونحو ذلك . وقال : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِن رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ « 3 » . المراد إقامة أهل كلّ مذهب وكتاب - ومنهم اليهود والنصارى - أحكام دينهم من حيث تعلّمها والعمل بها في عصر بقاء دينهم وكتابهم . والمراد بما انزل إليهم أحكام كتبهم ، وما انزل إليهم بلسان أنبيائهم والكتب السماويّة السابقة على كتابهم . والمراد من الأكل التصرّف والنيل والتمتّع . والمراد بفوقهم نعم اللَّه السماويّة كإشراق الشمس والأمطار والأرياح وغير ذلك . والمراد بتحت أرجلهم بركات الأرض . وليس المراد بالآية أهل الكتابين الموجودين بعد نزول القرآن ، وبالتوراة والإنجيل الموجود منهما بأيديهم ؛ إذ لا إشكال في أنّ الكتابين محرّفان مغيّران مدخولان ، كما نصّ
--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 96 . ( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 94 . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 66 .